محمد بن محمد ابو شهبة

99

المدخل لدراسة القرآن الكريم

كان التجارة لا تلقي العلوم والمعارف من أهل الكتاب ، وعلى كثرة تكرار الرحلتين لم نجد أحدا من أهل مكة صار يهوديّا أو نصرانيّا ، ومن تنصر في غير مكة إنما هم قلة لا تكاد تذكر ، فكيف يتأثر النبي بقوم في شيء هم أجهل الناس به ( رد المقدمة السادسة ) وأما ما زعموه من أن خلوة النبي وتعبده في حراء وتأمله في الكون علويّه وسفليه ، وأنه بتعبده وتفكره خيل إليه أنه النبي المنتظر ، وأنه قد تمكن منه هذا التخيل حتى تراءى له أنه يوحى إليه ، وأن الملك يلقنه - فدعاوى باطلة ، ومقدمة لا تؤدي إلى ما يريدون من نتيجة ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يتعبد ما كان يدور بخلده أنه نبي هذه الأمة المبعوث في آخر الزمان ، وليس أدل على هذا من قول الحق تبارك وتعالى : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [ سورة القصص : 86 ] . فهي صريحة في أن النبي ما كان يؤمّل ذلك ، ولكن ألقى اللّه إليه بالكتاب رحمة من اللّه به ، وبالناس كلهم ، لا كسب له فيه بعلم ، ولا عمل ولا رجاء ولا أمل ، والنبوة ليست بالتمني ولا بالرياضات الروحية ، ولو كانت تنال بذلك لنالها أمية بن أبي الصلت ، وأمثاله ممن ترهبوا وتنسكوا ، وجاهدوا في سبيل الوصول إليها ، وأيضا فغاية التعبد والتفكر في الكون أن يصلا بصاحبه إلى الإيمان بوجود إله خالق مدبر قيوم عالم قادر أما أنهما يؤديان إلى كل هذه العقائد والتشريعات المتنوعة ، والآداب والتوجيهات التي لم تكن تخطر على بال إنسان ، فهذا أمر غير معهود في سنة الكون ومجرى العادة . وبعد هذا المطاف تبين لك أيها القارئ الحصيف أن المقدمات التي أرادوا أن يرتبوا عليها فكرة الوحي النفسي مقدمات فاسدة غير مسلمة ودعاوى باطلة ، لا حقائق تاريخية ثابتة ، وإذا بطلت المقدمات ، بطل لزوم النتيجة لها ببداهة العقل ، وما مثلهم إلا كمثل من أراد أن يبني بيتا من خيوط العنكبوت : وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ سورة العنكبوت : 41 ] .